ابن كثير
327
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
لنجعلكم خيار الأمم لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم ، لأن الجميع معترفون لكم بالفضل ، والوسط هاهنا الخيار والأجود كما يقال : قريش أوسط العرب نسبا ودارا ، أي خيرها ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وسطا في قومه ، أي أشرفهم نسبا ، ومنه الصلاة الوسطى التي هي أفضل الصلوات وهي العصر ، كما ثبت في الصحاح وغيرها . ولما جعل اللّه هذه الأمة وسطا ، خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب ، كما قال تعالى : هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [ الحج : 78 ] . وقال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « يدعى نوح يوم القيامة ، فيقال له : هل بلغت ؟ فيقول : نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم : هل بلغكم فيقولون : ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد ، فيقال لنوح : من يشهد لك ؟ فيقول : محمد وأمته ، قال فذلك قوله : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً قال : والوسط العدل ، فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم » رواه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة من طرق عن الأعمش . وقال الإمام أحمد « 2 » أيضا : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش عن أبي صالح ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجلان وأكثر من ذلك ، فيدعى قومه ، فيقال : هل بلغكم هذا ؟ فيقولون : لا فيقال له : هل بلغت قومك ؟ فيقول : نعم ، فيقال : من يشهد لك ؟ فيقول : محمد وأمته ، فيدعى محمد وأمته ، فيقال لهم : هل بلغ هذا قومه ؟ فيقولون : نعم ، فيقال : وما علمكم ؟ فيقولون : جاءنا نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا ، فذلك قوله عز وجل وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً قال : عدلا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً . وقال أحمد أيضا : حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم في قوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً قال عدلا . وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه وابن أبي حاتم ، من حديث عبد الواحد بن زياد عن أبي مالك الأشجعي عن المغيرة بن عتيبة بن نهاس ، حدثني مكاتب لنا عن جابر بن عبد اللّه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « أنا وأمتي يوم القيامة على كوم مشرفين على الخلائق ، ما من الناس أحد إلا ود أنه منا وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد أنه قد بلغ رسالة ربه عز وجل » . وروى الحاكم في مستدركه وابن مردويه أيضا ، واللفظ له من حديث مصعب بن ثابت عن محمد بن كعب القرظي عن جابر بن عبد اللّه قال : شهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم جنازة في بني مسلمة
--> ( 1 ) مسند أحمد ( ج 3 ص 32 ) ( 2 ) مسند أحمد ( ج 3 ص 58 )